الشيخ محمد رشيد رضا

635

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فكسره وألقاه في دجلة ، وثنى بنبذ قناني النبيذ وكؤوسه فيها ، وصار يردّد الآية ، وعاد إلى منزله تائبا من كل معصية ، مجتهدا في كل ما يستطيع من طاعة فتذكير اللّه تعالى إيانا بهذا الشأن من شؤون الانسان ، وهذه السنة القلبية من سنن اللّه تعالى في الإرادات والاعمال ، وأمره إيانا بان نعلمها علم ايقان واذعان ، يفيدنا فائدتين لا يكمل بدونهما الايمان ، وهما أن لا يأمن الطائع المشمر من مكر اللّه فيغتر بطاعته ويعجب بنفسه ، وأن لا ييأس العاصي والمقصر في الطاعة من روح اللّه ، فيسترسل في اتباع هواه ، حتى تحيط به خطاياه . ومن لم يأمن عقاب اللّه ، ولم ييأس من رحمة اللّه ، يكون جديرا بان يراقب قلبه ، ويحاسب نفسه على خواطره ، ويعاقب نفسه على هفواته ، لتظل على صراط العدل المستقيم ، متجنبة الافراط والتفريط ، ويتحرى أن يكون دائما بين خوف يحجزه عن المعاصي ورجاء يحمله على الطاعات ، ويساعدنا على ذلك ( الأمر الثاني ) وهو تذكر حشرنا اليه عز وجل ومحاسبته إيانا على أعمالنا القلبية والبدنية ، ومجازاته إيانا عليها إما بالعذاب الأليم ، وإما بالنعيم المقيم ، وهذا منه مقتضى الفضل ، وذلك أثر العدل ، ومما يؤيد ما فهمناه في هذا المقام مقام حرمان الراسخين في الكفر من سماع الفقه والهدى ، والحيلولة بين المرء وقلبه أن يعصي الهوى ، ( 45 : 23 أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ) فهي صريحة في أن من هذا حاله ليس مجبورا عليه وان اللّه لم يحرمه الهدى باعجاز ، عنه وهو يؤثره ويفضله ، أو باكراهه على اتباع الهوى وهو كاره له ، فإنه أسند اليه اتخاذ هواه إلهه ، وقد قال تعالى لنبيه داود عليه السّلام ( 38 : 26 يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية فهذا نص في أن اتباع الهوى سبب للضلال عن سبيل اللّه ، فقوله في آية الجاثية ( وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ) ليس معناه انه تعالى خلق فيه الضلال استقلالا كما يدعي بعض المتكلمين بل هو داخل في سنته تعالى في الأسباب والمسببات ويؤيده